# Tags
#استراتيجيات الاستحواذ

سيكولوجية المشاركة والدوافع الثقافية في العالم العربي

سيكولوجية المشاركة والدوافع الثقافية في العالم العربي

يتجاوز مفهوم المشاركة الرقمية في العالم العربي مجرد الضغط على زر “إرسال”، ليتحول إلى سلوك اجتماعي معقد يحكمه الموروث الثقافي وطبيعة العلاقات البينية داخل المجتمعات. إن فهم هذا السلوك يتطلب الغوص في ما يسمى بالتسويق الشفهي الرقمي، حيث لا تتحرك المعلومة في خطوط مستقيمة، بل عبر شبكات عنكبوتية من الثقة والعلاقات الشخصية.

تُظهر البيانات أن الجزء الأكبر من حركة المعلومات في المنطقة لا يحدث على الجدران العامة لمنصات التواصل الاجتماعي، بل في القنوات الخاصة والمغلقة. هذا التحول الجذري يعيد تعريف مفاهيم الانتشار الفيروسي، حيث تصبح “الخصوصية الجماعية” هي المحرك الأساسي للتفاعل، بدلاً من الاستعراض العام.

عندما نتحدث عن سيكولوجية المستخدم العربي، فإننا نتعامل مع ثقافة “عالية السياق”، حيث تعتمد الرسالة وقوتها بشكل كبير على هوية المرسل والعلاقة التي تربطه بالمستقبل. لذا، فإن المحتوى الذي ينجح في اختراق هذه الدوائر هو المحتوى الذي يحترم الذكاء الاجتماعي للمستخدم ويقدم قيمة فعلية تتجاوز الضجيج الإعلاني المعتاد.

الواتساب كأقوى قناة خلفية Dark Social عربياً

يُعد مصطلح “القنوات الخلفية” أو السوشيال المظلم (Dark Social) التوصيف الأدق لما يحدث فعلياً في الفضاء الرقمي العربي. تشير الإحصاءات السلوكية إلى أن الغالبية العظمى من قرارات الشراء وتداول المحتوى تتم عبر روابط تُشارك خصوصاً عبر تطبيقات المراسلة الفورية، وعلى رأسها واتساب، بعيداً عن أعين الخوارزميات العامة وأدوات التحليل التقليدية.

يمثل واتساب في الثقافة العربية امتداداً للمجلس التقليدي أو المقاهي الشعبية، حيث يتم تداول الأخبار والنصائح والتحذيرات في بيئة مشبعة بالثقة العالية. هذه الطبيعة الحميمية للتطبيق تجعل من أي رسالة تصل من خلاله تتمتع بمصداقية تفوق بمراحل تلك التي تظهر كإعلان ممول في فيسبوك أو إنستغرام.

التعقيد يكمن في صعوبة تتبع مصدر الزيارات القادمة من هذه القنوات، حيث تظهر غالباً في أدوات التحليل كزيارات مباشرة (Direct Traffic). هذا التحدي التقني يتطلب من المسوقين تغيير استراتيجيات القياس والتركيز على نمو الحوارات بدلاً من مجرد التركيز على النقرات الظاهرة، معتبرين واتساب منصة مجتمعية وليست مجرد أداة مراسلة.

لماذا تتفوق المجموعات المغلقة على المنصات العامة

توفر المجموعات المغلقة، سواء كانت للعائلة أو للأصدقاء أو للزملاء، مساحة آمنة للتعبير والمشاركة دون الخوف من الحكم الاجتماعي العام الذي قد يرافق النشر على تويتر أو لينكد إن. في هذه المجموعات، يتحرر المستخدم من قيود الصورة المثالية التي يحاول رسمها للعامة، مما يجعله أكثر قابلية لمشاركة محتوى حقيقي ومؤثر.

إن الديناميكية النفسية داخل مجموعات الواتساب تعتمد على “الدليل الاجتماعي” (Social Proof) القادم من أشخاص نعرفهم ونثق بهم. عندما يشارك أحد أفراد العائلة رابطاً أو نصيحة، فإن حواجز الشك الدفاعية لدى المتلقي تنخفض تلقائياً، مما يرفع احتمالية التفاعل واتخاذ الإجراء المطلوب بشكل كبير مقارنة بالقنوات الأخرى.

علاوة على ذلك، تتميز هذه القنوات المظلمة بسرعة انتشار تفوق المنصات العامة في أوقات الأزمات أو التريندات العالية. فالمعلومة تنتقل كالنار في الهشيم عبر خاصية “إعادة التوجيه” (Forwarding)، لتصل إلى مئات المجموعات في دقائق معدودة، متجاوزة بذلك تعقيدات الوصول العضوي (Organic Reach) التي تفرضها المنصات الكبرى.

دوافع المشاركة بين الفائدة الاجتماعية والفكاهة

تتمحور الدوافع النفسية للمشاركة في المنطقة العربية حول قطبين رئيسيين هما المنفعة والتسلية، وكلاهما يخدم غرضاً اجتماعياً لتعزيز الروابط. الدافع الأول يتعلق بالقيم المتجذرة للتعاون والمساعدة، حيث يشعر المستخدم بنوع من الرضا النفسي والواجب الأخلاقي عند مشاركة معلومة قد تحل مشكلة للآخرين أو تجنبهم ضرراً.

يتجلى هذا بوضوح في الرسائل التي تحمل طابع التحذير، أو النصائح الطبية (حتى وإن كانت غير دقيقة أحياناً)، أو العروض والخصومات القوية. ينظر المستخدم لنفسه في هذه الحالة كوسيط للخير، ومشاركته للمحتوى تعزز مكانته داخل المجموعة كشخص مبادر وفاعل، مما يغذي حاجته للتقدير الاجتماعي.

على الجانب الآخر، تلعب الفكاهة دور صمام الأمان والآلية الدفاعية النفسية في مواجهة ضغوط الحياة اليومية. المحتوى الفكاهي، سواء كان ميمز (Memes) أو مقاطع فيديو ساخرة، يتمتع بقابلية هائلة للمشاركة لأنه يقدم عملة اجتماعية فورية: “الضحك”. مشاركة نكتة ذكية تجعل المرسل يبدو خفيف الظل ومواكباً للأحداث.

هل الخوف من تفويت الفرصة FOMO محرك رئيسي

رغم أن مصطلح “FOMO” أو الخوف من تفويت الفرصة هو مصطلح غربي المنشأ، إلا أن تطبيقه في العالم العربي يأخذ طابعاً جماعياً. لا يرغب الفرد فقط في ألا تفوته الفرصة، بل يخشى أن يكون هو الحلقة الأضعف في دائرته الاجتماعية التي لم تعلم بالخبر أو العرض. هذا الدافع يعجل من سرعة الضغط على زر المشاركة.

المشاركة السريعة للأخبار العاجلة أو العروض الحصرية تمنح المستخدم شعوراً بالسبق والأسبقية. في الثقافة الرقمية العربية، الشخص الذي يجلب الخبر “الطازج” للمجموعة يحظى باهتمام وتفاعل فوري، وهو ما يعد مكافأة نفسية فورية تعزز من تكرار هذا السلوك مستقبلاً.

إدارة هذا الدافع بحكمة من قبل صناع المحتوى تتطلب خلق حالة من الاستعجال الحقيقي والمصداقية. الابتذال في استخدام عبارات “عاجل” أو “لفترة محدودة” دون تقديم قيمة حقيقية قد يؤدي لنتائج عكسية تضر بسمعة العلامة التجارية وتحولها لمصدر إزعاج بدلاً من مصدر فائدة.

مكانة المحتوى الديني والقيمي في معادلة المشاركة

لا يمكن إغفال البعد الديني والثقافي العميق كمحرك أساسي للمشاركة في العالم العربي. مبدأ “الدال على الخير كفاعله” يحول عملية المشاركة الرقمية من مجرد نقرة إلكترونية إلى عمل يرجى منه الثواب. هذا النوع من المحتوى يتخطى الحواجز العمرية والاجتماعية ويحظى بأعلى معدلات إعادة التوجيه.

استثمار هذا الدافع في التسويق يتطلب حذراً شديداً وذكاءً في الربط بين القيم الأخلاقية والأهداف التجارية. العلامات التجارية التي تنجح في مواءمة رسائلها مع القيم المجتمعية العليا، مثل الكرم في رمضان أو صلة الرحم في الأعياد، تجد محتواها يُشارك طواعية وبحماس كبير من قبل الجمهور.

ومع ذلك، أصبح الجمهور اليوم أكثر وعياً وحساسية تجاه الاستغلال التجاري للدين أو القيم. المحتوى الذي يبدو مقحماً أو متصنعاً يتم رفضه بل ومهاجمته. السر يكمن في الأصالة والصدق في الطرح، بحيث تكون الرسالة القيمية هي البطل، والعلامة التجارية هي الداعم الخفي.

صياغة رسائل المشاركة بلهجة تناسب المجموعات

المحتوى الموجه للمشاركة عبر قنوات مثل واتساب يحتاج إلى هندسة لغوية خاصة تختلف كلياً عن لغة المواقع الإلكترونية أو البيانات الصحفية. يجب أن تبدو الرسالة وكأنها مكتوبة من صديق لصديقه، مستخدمة مفردات دارجة، وجمل قصيرة، ونبرة حميمية تكسر الجليد وتدعو للثقة.

التخلي عن اللغة الخشبية والرسمية المفرطة هو الخطوة الأولى. المستخدم العربي في بيئته الخاصة لا يتحدث بالفصحى المعقدة، بل بلهجة بيضاء أو محلية مفهومة. استخدام هذه اللغة في “النصوص المقترحة للمشاركة” يزيد من احتمالية أن يقوم المستخدم بنسخها وإرسالها كما هي دون تعديل.

يجب أن تكون الرسالة مصممة لتناسب سياق الهاتف المحمول: فقرات قصيرة جداً، استخدام الرموز التعبيرية (Emojis) بذكاء لإيصال المشاعر، ووضع الرابط المهم في مكان بارز ومنفصل لسهولة النقر. كلما قل الجهد المطلوب من المستخدم لتعديل الرسالة قبل إرسالها، زاد معدل انتشارها.

تجنب الصيغ الروبوتية واعتماد الطابع الشخصي

أكبر خطأ يقع فيه المسوقون هو كتابة نصوص مشاركة تبدو آلية أو ترويجية بشكل فج، مثل “اشتر الآن واحصل على خصم 50%”. هذه الصيغ تقتل الرغبة في المشاركة لأن المستخدم لا يريد أن يتحول إلى لوحة إعلانية مجانية أمام أصدقائه. لا أحد يرغب في أن يبدو “روبوت” تسويقي في مجموعته العائلية.

بدلاً من ذلك، يجب صياغة الرسالة بضمير المتكلم الذي يعبر عن التجربة الشخصية، مثل “جربت هذه الخدمة اليوم وكانت ممتازة، حبيت أشارككم التجربة…”. هذا التحول البسيط في الصياغة ينقل الرسالة من خانة الإعلان إلى خانة التوصية الشخصية الصادقة، وهو ما يتوافق مع سيكولوجية التسويق الشفهي.

إضافة اللمسة الإنسانية تعني أيضاً احترام عقلية المتلقي. يجب أن تكون الرسالة تحمل قيمة واضحة ومباشرة، مع تجنب المديح المبالغ فيه للذات أو المنتج. الهدف هو تمكين المستخدم من الظهور بمظهر “الناصح الأمين” أمام دائرته الاجتماعية، وليس المروج المستفيد.

كما يلعب التخصيص دوراً محورياً. إذا كانت الحملة موجهة لمنطقة جغرافية معينة، فإن استخدام “اللكنة” أو المصطلحات الخاصة لتلك المنطقة يعزز الشعور بالانتماء والقرب. الروبوتات لا تعرف اللهجات المحلية، والبشر يقدرون من يخاطبهم بلسانهم وثقافتهم الفرعية.

التوازن بين “الكرم” و”المصلحة” في طلب المشاركة

تقوم الثقافة العربية بشكل كبير على مفاهيم الكرم وتبادل المنافع، أو ما يعرف في علم النفس الاجتماعي بمبدأ “المعاملة بالمثل”. لا يمكنك في السوق العربي أن تطلب من الجمهور مشاركة محتواك (المصلحة) دون أن تقدم لهم شيراً قيماً ومجانياً في المقابل (الكرم). العلاقة يجب أن تبدو متوازنة وليست استغلالية.

المحتوى الذي يُطلب مشاركته يجب أن يكون “هدية” في حد ذاته. سواء كان معلومة حصرية، كتاباً إلكترونياً، أداة مجانية، أو حتى ترفيهاً عالي الجودة. عندما يشعر المستخدم أنه حصل على قيمة تفوق الجهد المبذول في المشاركة، فإنه سيشارك المحتوى كنوع من رد الجميل الضمني للعلامة التجارية وكرم منها تجاه أصدقائه.

هذا التوازن دقيق جداً؛ فالإلحاح في طلب المشاركة (Share) دون تقديم محتوى ذي ثقل يقلل من هيبة العلامة التجارية (“ماء الوجه”). العلامات التجارية المرموقة تجذب المشاركات بجودة ما تقدمه، ولا تستجديها. يجب أن يكون زر المشاركة هو النتيجة الطبيعية لرضا المستخدم وانبهاره بالمحتوى.

استراتيجيات تحفيز “الفزعة” الرقمية

مفهوم “الفزعة” في الثقافة العربية – أي الهبة للمساعدة – يمكن ترجمته رقمياً عبر حملات المسؤولية الاجتماعية أو المسابقات التي تعتمد على التصويت الجماعي. هنا، تتحول المشاركة من فعل فردي إلى جهد جماعي لدعم قضية أو شخص، مما يحرك دوافع الانتماء والولاء للمجموعة.

لتحفيز هذا السلوك، يجب صياغة دعوة اتخاذ الإجراء (CTA) بطريقة تمس كبرياء المجموعة أو تثير حماسهم للمنافسة. لكن يجب الحذر من تحويل هذا النمط إلى استنزاف لموارد الجمهور الاجتماعية. تكرار طلب الدعم دون مبرر قوي يفقد الأداة فعاليتها ويحولها إلى مصدر إزعاج.

الشفافية في الغرض من المشاركة تعزز الثقة. عندما توضح العلامة التجارية أن “مشاركتك تساعدنا في الوصول لعدد أكبر لدعم قضية X” أو “مشاركتك تفتح لك ميزات إضافية”، فإن الوضوح يزيل الشكوك. العربي يقدر الصراحة ويميل لمكافأة من يعامله باحترام وندّية في تبادل المصالح.

في الختام غير المعلن لهذا السياق، يظل المحرك الأساسي هو “السمعة”. المستخدم العربي يخاطر بجزء من سمعته الرقمية مع كل رابط يشاركه. إذا كان المحتوى يرفع من شأنه ويعود بالنفع على دائرته، فسيشاركه بكرم. أما إذا كان يخدم مصلحة العلامة التجارية فقط، فسيظل حبيس جهازه.

Leave a comment