# Tags
#التسويق الاستراتيجي التقليدي

تحديد حجم السوق (TAM, SAM, SOM)

تحديد حجم السوق (TAM, SAM, SOM)

يعتبر تحديد حجم السوق بدقة حجر الزاوية في بناء أي نموذج مالي ناجح للشركات الناشئة والمشاريع الاستثمارية. الأرقام التي تضعها في شريحة “حجم السوق” ليست مجرد إحصائيات عامة لجذب الانتباه، بل هي دليل قاطع على فهمك لآليات العرض والطلب.

يخطئ العديد من رواد الأعمال بخلط الطموح بالواقع عند حساب هذه المؤشرات، مما يؤدي إلى تضخيم غير مبرر يضرب مصداقية الخطة المالية بالكامل. المستثمر المحترف يبحث عن المنطق التسلسلي خلف الأرقام وليس ضخامة الأرقام بحد ذاتها.

الفهم العميق لكل من إجمالي السوق المتاح (TAM) والسوق المتاح للخدمة (SAM) والسوق المتاح للاستحواذ (SOM) يحدد ملامح استراتيجية النمو لديك. هذه المصطلحات تحدد المسافة بين الرؤية النظرية والقدرة التنفيذية على أرض الواقع.

سنغوص هنا في عمق التحليل المالي لهذه المؤشرات بعيداً عن التعريفات السطحية، لنركز على كيفية استخدامها كأدوات تخطيط دقيقة تعكس نضج المشروع وقابليته للتوسع المستدام.

الفرق الجوهري بين السوق النظري والسوق الواقعي

الخلط بين ما هو نظري وما هو واقعي يعد السبب الرئيسي لفشل الشركات في تحقيق مستهدفات السنة الأولى. السوق النظري هو فضاء واسع يشمل كل من لديه “مشكلة” يمكن لمنتجك حلها، بغض النظر عن قدرتهم على الدفع أو الوصول إليك.

السوق الواقعي محكوم بقيود ملموسة تتمثل في الجغرافيا، واللغة، والقوانين التنظيمية، والمنافسة الشرسة، والميزانية التسويقية المتاحة. التحليل الدقيق يتطلب تجريد الأرقام من العاطفة والتركيز على البيانات القابلة للقياس والتحقق.

عندما تتحدث عن السوق، يجب أن تميز بين “الاحتياج” و”الطلب الفعال”. الاحتياج موجود لدى الملايين، لكن الطلب الفعال يقتصر على من يمتلك الوعي بالمشكلة والقدرة المالية والرغبة الفورية في الحل الذي تقدمه أنت تحديداً.

المستثمرون يدققون في الفجوة بين السوق النظري والسوق الواقعي لاكتشاف مدى واقعية المؤسس. كلما كانت الفجوة مدروسة ومبررة بأرقام تشغيلية، زادت الثقة في قدرة الفريق على التنفيذ ضمن الموارد المتاحة.

التخطيط المالي السليم يبدأ بتقليص السوق النظري عبر “فلاتر” متتالية حتى نصل إلى شريحة العملاء الذين يمكن خدمتهم غداً صباحاً. هذا الفرق هو ما يحدد استراتيجية الدخول وتوزيع الموارد في المراحل المبكرة.

معادلة حساب الـ TAM من الأعلى إلى الأسفل Top-Down

يعتمد نهج “من الأعلى إلى الأسفل” في حساب إجمالي السوق المتاح (TAM) على البيانات الكلية الصادرة عن جهات بحثية موثوقة مثل Gartner أو Statista. هذه الطريقة تعطي نظرة شمولية للسقف الأعلى الذي يمكن أن يصل إليه المشروع.

تبدأ المعادلة بتحديد الحجم الكلي للصناعة عالمياً أو إقليمياً، ثم استبعاد الشرائح التي لا تندرج تحت نطاق عملك. على سبيل المثال، إذا كنت تبيع برمجيات محاسبية للشركات الصغيرة، فإن الـ TAM هو إجمالي الإنفاق العالمي على البرمجيات المالية.

يكمن خطر هذا النهج في التعميم المفرط. الاعتماد فقط على أرقام التقارير الدولية دون فلترتها قد يعطي انطباعاً زائفاً بضخامة الفرصة. يجب استخدام هذا المنهج لتحديد “إمكانية التوسع القصوى” وليس لتوقع المبيعات القريبة.

لتحسين دقة حساب الـ TAM بهذا الأسلوب، يجب دمج معدل النمو السنوي المركب (CAGR) للصناعة. الأسواق ليست ثابتة، وفهم اتجاه النمو صعوداً أو هبوطاً يعطي بعداً زمنياً لقيمة السوق الإجمالية.

رغم أن الـ Top-Down هو الطريقة الأسرع والأكثر شيوعاً في العروض الاستثمارية، إلا أنه يظل مؤشراً نظرياً بحتاً. يجب دعمه دائماً بتحليل دقيق للشرائح المستهدفة لضمان عدم احتساب قطاعات ميتة أو غير ذات صلة ضمن الفرصة الكلية.

حساب الـ SOM كم يمكنك أن تقتنص فعلياً في أول عام؟

حساب السوق القابل للاستحواذ (SOM) هو الاختبار الحقيقي لواقعية خطة العمل. هنا ننتقل من ملايين الدولارات النظرية إلى ما يمكن لفريق المبيعات وعمود التسويق تحقيقه فعلياً بناءً على الميزانية والقدرات التشغيلية.

لحساب الـ SOM بدقة، يجب استخدام النهج التصاعدي (Bottom-Up). كم عدد المكالمات البيعية التي يمكن لفريقك إجراؤها يومياً؟ ما هو معدل التحويل المتوقع؟ ما هي تكلفة الاستحواذ على العميل (CAC) مقارنة بالميزانية المرصودة؟

إذا كان فريقك مكوناً من 3 بائعين، والقدرة القصوى لكل بائع هي إغلاق 5 صفقات شهرياً، فإن الـ SOM الخاص بك في السنة الأولى محكوم بـ 180 عميلاً فقط، بغض النظر عن ضخامة السوق الكلي.

تجاهل القيود اللوجستية والجغرافية عند حساب الـ SOM يعد خطأً استراتيجياً قاتلاً. لا يمكنك احتساب عملاء في منطقة لا تغطيها شبكة التوزيع الخاصة بك، أو شريحة لا يدعم منتجك لغتها أو عملتها.

الـ SOM هو الرقم الذي ستحاسب عليه في تقارير الأداء الربع سنوية. هو الهدف التنفيذي المباشر الذي يجب أن تبنى عليه خطط التوظيف والتدفقات النقدية المتوقعة وتخصيص الموارد التقنية.

المستثمر الذكي ينظر إلى الـ SOM ليعرف “ماذا ستفعل بأموالي الآن؟”. الإجابة الدقيقة تعكس فهماً عميقاً لاقتصاديات الوحدة وقدرة الشركة على اختراق السوق بفاعلية وكفاءة في المرحلة الأولى.

لماذا يكره المستثمرون جملة سأحصل على 1% من السوق فقط؟

تعد عبارة “لو حصلنا على 1% فقط من هذا السوق الضخم سنكون أثرياء” واحدة من أكثر الجمل التي تثير امتعاض المستثمرين المحترفين. إنها تشير فوراً إلى كسل فكري في التحليل وغياب استراتيجية واضحة للوصول إلى السوق.

هذه الجملة تفترض خطأً أن الاستحواذ على العملاء عملية عشوائية أو تلقائية بمجرد التواجد في السوق. الواقع يثبت أن الحصول على 0.001% من سوق شديد التنافسية قد يتطلب ميزانيات ضخمة وجهوداً خارقة.

الاعتماد على نسبة مئوية اعتباطية يتجاهل تماماً هيكلية المنافسة. في العديد من الأسواق، يسيطر القادة الثلاثة الكبار على 80% من السوق، وتتقاتل آلاف الشركات الصغيرة على الفتات المتبقي، مما يجعل الـ 1% حلماً بعيد المنال.

المستثمر لا يبحث عن مراهنات عشوائية، بل يبحث عن خارطة طريق. القول بأنك ستحصل على عدد محدد من العملاء (مثلاً 5000 عميل) بناءً على قنوات تسويقية محددة هو أكثر إقناعاً بكثير من الحديث عن نسب مئوية من سوق الصين أو الهند.

هذا النوع من الطرح يغفل تكلفة الاستحواذ (CAC). الحصول على 1% من سوق قيمته مليار دولار قد يكلفك في التسويق أكثر من العائدات المتوقعة، مما يجعل نموذج العمل خاسراً رغم تحقيق الحصة السوقية المستهدفة.

مغالطة التوزيع المجاني وتجاهل المنافسة الشرسة

المشكلة الأساسية في فرضية الـ 1% هي افتراض أن السوق ساحة فارغة تنتظر دخولك. الحقيقة هي أن كل عميل محتمل في هذه النسبة هو حالياً عميل لشركة أخرى، أو يستخدم حلاً بديلاً يجب عليك إقناعه بتركه.

انتزاع حصة سوقية يعني الدخول في حرب أسعار، أو تقديم قيمة مضافة هائلة، أو ابتكار تكنولوجي جذري. كل هذه الخيارات مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً، ولا تحدث تلقائياً بمجرد إطلاق المنتج.

يجب تحليل المنافسين المباشرين وغير المباشرين بدقة. هل المنافسون يمتلكون عقوداً حصرية؟ هل لديهم ولاء علامة تجارية عالي؟ تجاهل هذه العوائق يجعل تقديرات حجم السوق مجرد أمنيات لا تستند إلى الواقع الميداني.

تكلفة “التبديل” (Switching Cost) لدى العميل هي عائق رئيسي يتجاهله أصحاب فرضية الـ 1%. حتى لو كان منتجك أفضل، قد يفضل العميل البقاء مع الحل القديم لتجنب عناء التغيير والتدريب ونقل البيانات.

الوصول إلى العملاء ليس مجانياً. قنوات التوزيع لها سعة محدودة وتكلفة متزايدة. عندما تقول سأحصل على 1%، يجب أن ترفق ذلك بخطة توزيع توضح كيف ستصل رسالتك إلى هذه النسبة المحددة وسط ضجيج الإعلانات.

أهمية البناء التصاعدي للأرقام المالية Bottom-Up

البديل المقنع للمستثمر هو البناء التصاعدي للأرقام. ابدأ من الوحدات الصغيرة: صفقة واحدة، عميل واحد، منطقة جغرافية واحدة. ثم قم بحساب كمية الموارد اللازمة لتكرار هذه العملية وتوسيع نطاقها تدريجياً.

هذا النهج يربط حجم السوق المتوقع (SOM) بالنشاط اليومي للشركة. بدلاً من التنبؤ من برج عاجي، أنت تبني توقعاتك على تجارب واقعية (Pilot) أو دراسات قياسية من شركات مماثلة في نفس المرحلة.

يساعد الأسلوب التصاعدي في كشف الثغرات التشغيلية مبكراً. قد تكتشف أنك بحاجة لتوظيف 50 موظف مبيعات لتحقيق هدف السنة الأولى، وهو أمر قد يكون مستحيلاً لوجستياً ومالياً، مما يجبرك على تعديل أرقام الـ SOM لتكون أكثر منطقية.

كما يسمح هذا الأسلوب بتعديل خطة العمل بمرونة. إذا تغيرت تكلفة النقرة الإعلانية أو انخفض معدل التحويل، يمكنك تعديل توقعاتك النهائية بدقة رياضية، عكس التقديرات الجزافية المبنية على نسب مئوية ثابتة.

في النهاية، البناء التصاعدي يثبت للمستثمر أنك تدرك “محركات النمو” (Growth Drivers) لمشروعك. أنت لا تبيع أوهاماً بحجم السوق، بل تبيع آلة تسويقية وتشغيلية قادرة على تحويل الفرص إلى إيرادات حقيقية.

غياب استراتيجية التجزئة الدقيقة للسوق Segmenting

الشركات الناشئة الناجحة لا تستهدف “الكل”. القول بأنك ستأخذ حصة صغيرة من سوق ضخم يدل على غياب التجزئة (Segmentation). النجاح يكمن في الهيمنة على شريحة صغيرة جداً ومحددة بدقة (Niche) ثم التوسع منها.

بيتر ثيل، أحد أشهر المستثمرين في وادي السيليكون، ينصح دائماً: “احتكِر سوقاً صغيراً أولاً”. بدلاً من محاربة العمالقة على 1% من السوق الكبير، كن أنت المالك لـ 70% من سوق فرعي صغير.

تجزئة السوق تتيح لك تخصيص رسالتك التسويقية وتطوير المنتج ليلائم احتياجات فئة محددة تماماً، مما يرفع معدلات التحويل ويقلل الهدر في الميزانية. هذا التركيز هو ما يخلق الزخم الأولي (Traction).

عند عرض حجم السوق (SOM)، قم بتقسيمه إلى شرائح: الشريحة (أ) هي الأسهل وصولاً والأعلى ربحية، والشريحة (ب) هي الخطوة التالية. هذا يظهر نضجاً استراتيجياً وفهماً لأولويات العمل.

الأرقام الكبيرة غير المفلترة تخيف المستثمر لأنها تعني تشتت الجهود. الأرقام الدقيقة والمحددة لشريحة واضحة المعالم تعطي الثقة بأن فريق العمل يعرف بالضبط من أين تؤكل الكتف.

كيفية الربط بين المؤشرات الثلاثة لبناء قصة مقنعة

بعد فهم كل مؤشر بشكل منفصل، يكمن السحر في كيفية سرد القصة التي تربط TAM بـ SAM بـ SOM. هذه السلسلة المترابطة هي التي تشكل هيكل السردية الاستثمارية وتوضح مسار نمو الشركة عبر الزمن.

ابدأ برسم الصورة الكبيرة (TAM) لتوضيح سقف الطموح وإظهار أن الشركة تعمل في صناعة ذات مستقبل واعد وفرص نمو هائلة. هذا يضمن للمستثمر أن العائد المحتمل على الاستثمار يستحق المخاطرة.

انتقل بعد ذلك إلى (SAM) لتظهر تركيزك الاستراتيجي. هنا توضح أنك تفهم قيود منتجك الحالية ولكنك تمتلك خطة للتطوير التكنولوجي أو التوسع الجغرافي للوصول إلى هذه الشريحة الأوسع في غضون 3 إلى 5 سنوات.

اختم بـ (SOM) كخطة عمل فورية. هذا الرقم هو وعدك وتعهدك للمستثمرين بما ستحققه خلال الـ 12 إلى 18 شهراً القادمة. دقة هذا الرقم ومنطقيته هي ما سيغلق الصفقة الاستثمارية.

الترابط المنطقي بين هذه الدوائر الثلاث يوضح أن المؤسس “حالم” بما يكفي ليرى الـ TAM، و”مخطط” جيد ليحدد الـ SAM، و”منفذ” واقعي ليلتزم بـ الـ SOM. هذا المزيج هو ما يبحث عنه رأس المال الجريء.

تذكر أن أي تغيير في نموذج العمل أو التسعير أو الجمهور المستهدف سيؤثر فوراً على جميع هذه المؤشرات. لذلك، يجب التعامل مع ملف حجم السوق كوثيقة حية تتطور مع نمو الشركة وفهمها المتزايد للعملاء.

التحليل المستمر لهذه الأرقام يساعد في اتخاذ قرارات مصيرية مثل التمحور (Pivoting) أو دخول أسواق جديدة. إذا كان الـ SOM يتقلص بسبب المنافسة، والـ SAM ثابت، فقد حان الوقت للبحث عن ابتكار يفتح لك أبواب الـ TAM الأوسع.

استخدم البيانات لتدعيم كل انتقال من دائرة لأخرى. عندما تقول “سننتقل من SOM إلى SAM”، يجب أن توضح: كيف؟ هل بزيادة الميزانية التسويقية؟ أم بإطلاق ميزات جديدة؟ أم بشراكات استراتيجية؟ الإجابة تكمن في التفاصيل.

في الختام العملي لهذه الحسابات، يجب مراجعة الأرقام مع خبراء في الصناعة أو مرشدين لديهم خبرة سابقة. الانحياز التأكيدي قد يجعلك ترى الأرقام كما تتمنى أن تكون، وليس كما هي في الواقع السوقي الصعب.

Leave a comment