# Tags
#أساسيات وعقلية اختراق النمو #مقالات

أسطورة “الضربة الحظ” ولماذا اختراق النمو عملية علمية

أسطورة “الضربة الحظ” ولماذا اختراق النمو عملية علمية

يعتقد الكثير من رواد الأعمال أن النجاح الكبير في عالم الشركات الناشئة يعتمد على لحظة إلهام مفاجئة أو ميزة واحدة تقلب الموازين وتجلب الملايين من المستخدمين بين ليلة وضحاها، وهذا اعتقاد خاطئ وخطير يؤدي إلى فشل العديد من المشاريع الواعدة التي تنتظر تلك اللحظة التي قد لا تأتي أبدًا.

الحقيقة الراسخة في وادي السيليكون ولدى كبرى شركات التقنية هي أن النمو المستدام ليس سحرًا ولا صدفة، بل هو نتاج عملية هندسية دقيقة تعتمد على التجريب المستمر والتحليل العميق للبيانات وفهم سيكولوجية المستخدم، وهو ما يحول النمو من فن عشوائي إلى علم قابل للتكرار والقياس.

تفكيك خرافة الحل السحري Silver Bullet

تسيطر فكرة الحل السحري على عقول الكثيرين عند دراسة قصص نجاح شركات عملاقة، حيث يتم اختزال سنوات من العمل الشاق والتجارب الفاشلة في قصة واحدة مثيرة حول “ميزة الدعوة” في Dropbox أو “خدعة التكامل” في Airbnb، متجاهلين مئات التحسينات الصغيرة التي مهدت الطريق لهذا النجاح.

البحث عن الحل السحري يستنزف موارد الشركة ويوجه التركيز نحو إطلاق ميزات ضخمة ومكلفة بدلاً من تحسين المنتج الأساسي، وهذا النهج يراهن بمستقبل الشركة على ورقة واحدة بدلاً من توزيع المخاطر عبر تجارب صغيرة ومتعددة ترفع احتمالية الوصول إلى ملاءمة المنتج للسوق بشكل تدريجي ومدروس.

الشركات التي تعتمد على هندسة النمو تدرك أن ما يبدو كضربة حظ هو في الواقع نتيجة لتراكم مئات الانتصارات الصغيرة، حيث يساهم كل تحسين بنسبة 1% في معدل التحويل أو الاحتفاظ في خلق تأثير مركب هائل على المدى الطويل، وهو ما يصنع الفارق الحقيقي بين النمو المؤقت والنمو المستدام.

خطورة الاعتماد على الحدس في قرارات النمو

الاعتماد على الحدس أو “غريزة المؤسس” في اتخاذ قرارات النمو يعتبر مخاطرة كبيرة في بيئة تنافسية شرسة، فالحدس غالباً ما يكون متحيزاً لتفضيلاتنا الشخصية ولا يعكس بالضرورة سلوك المستخدم الحقيقي الذي قد يتصرف بطرق غير متوقعة تماماً عند استخدام المنتج.

التجارب العلمية أثبتت مراراً أن الميزات التي يتوقع المؤسسون نجاحها قد تفشل فشلاً ذريعاً، بينما قد تؤدي تغييرات بسيطة في صياغة العنوان أو لون الزر إلى نتائج مذهلة، ولذلك يجب استبدال الحدس بمنهجية التحقق القائمة على الأدلة والبيانات لضمان توجيه الجهود في المسار الصحيح.

لماذا تفشل استراتيجيات النسخ واللصق

محاولة استنساخ استراتيجيات نمو نجحت مع شركات أخرى مثل تطبيق استراتيجيات Slack أو Zoom دون فهم السياق الخاص بمنتجك هو وصفة للفشل، فكل منتج يمتلك ديناميكيات مختلفة وجمهوراً مستهدفاً بخصائص فريدة تجعل ما نجح لغيرك غير فعال بالضرورة لمشروعك.

عوضاً عن التقليد الأعمى يجب التركيز على فهم المبادئ الأساسية التي حركت نمو تلك الشركات، مثل كيفية بنائهم لآليات فيروسية القيمة داخل منتجاتهم، وكيف استطاعوا تقليل الاحتكاك في تجربة المستخدم، ثم تكييف هذه المبادئ لتناسب نموذج عملك وطبيعة عملائك.

دورة اختراق النمو Analyze Ideate Prioritize Test

تمثل هذه الدورة المحرك الأساسي لأي فريق نمو ناجح، حيث تبدأ العملية دائماً بفهم ما يحدث حالياً داخل المنتج من خلال تحليل البيانات الكمية والنوعية لتحديد نقاط القوة ومكامن الخلل التي تتسبب في تسرب المستخدمين أو انخفاض معدلات التحويل في قمع المبيعات.

بعد مرحلة التحليل تأتي مرحلة توليد الأفكار التي لا يجب أن تكون حكراً على فريق التسويق أو المنتج فقط، بل يجب أن تشمل جميع الأقسام بما في ذلك خدمة العملاء والمبيعات، لضمان الحصول على وجهات نظر متنوعة وحلول إبداعية للمشاكل التي تم رصدها.

الخطوة التالية هي ترتيب هذه الأفكار وفق منهجية علمية لاختيار الأنسب منها للتنفيذ، ثم الانتقال إلى مرحلة الاختبار الفعلي سواء من خلال اختبارات A/B أو إطلاق تجريبي لمجموعة محددة من المستخدمين، وأخيراً تحليل النتائج للتعلم منها وإعادة الدورة من جديد.

كيفية توليد فرضيات قابلة للاختبار

صياغة الفرضية بشكل صحيح هو نصف الحل في عملية اختراق النمو والفرضية الجيدة يجب أن تكون محددة وقابلة للقياس، بحيث توضح بوضوح ما هو التغيير المقترح ومن هي الشريحة المستهدفة وما هي النتيجة المتوقعة بدقة، لضمان إمكانية الحكم على نجاح التجربة أو فشلها.

بدلاً من قول “سنقوم بتحسين الصفحة الرئيسية لزيادة التسجيل” يجب القول “إذا قمنا بتبسيط نموذج التسجيل وإزالة الحقول غير الضرورية للمستخدمين القادمين من الجوال، فإن معدل التحويل سيزيد بنسبة 10% لأن ذلك يقلل من وقت التسجيل والاحتكاك”.

أهمية نظام ICE في ترتيب الأولويات

نظام ICE هو إطار عمل بسيط وقوي يساعد الفرق على تجنب النقاشات البيزنطية حول ما يجب تنفيذه أولاً، حيث يتم تقييم كل فكرة بناءً على ثلاثة معايير هي التأثير المتوقع Impact والثقة في النجاح Confidence والسهولة في التنفيذ Ease، ومنح كل منها درجة من عشرة.

التأثير يقيس مدى مساهمة الفكرة في تحسين المقياس الرئيسي الذي يركز عليه الفريق، بينما تعكس الثقة مدى وجود بيانات أو أدلة تدعم نجاح هذه الفكرة، أما السهولة فتقدر الموارد والوقت اللازمين للتنفيذ، والناتج النهائي هو متوسط هذه القيم الذي يحدد أولوية التجربة.

استخدام هذا النظام يضمن التوازن بين المشاريع الكبيرة ذات التأثير العالي والمكاسب السريعة سهلة التنفيذ، ويمنع الانجراف وراء الأفكار المعقدة التي قد تستهلك وقتاً طويلاً دون ضمان لنتائجها، مما يحافظ على سرعة وتيرة التجريب والنمو.

البيانات لا تكذب كيف تحول الأرقام إلى قرارات

البيانات هي اللغة الوحيدة التي يجب أن يتحدث بها فريق النمو، ولكن الغرق في بحر من الأرقام دون سياق واضح قد يكون مضراً بقدر غياب البيانات تماماً، لذا فإن التحدي يكمن في تحديد المقاييس الصحيحة التي تعكس بدقة صحة المنتج ونموه الفعلي بعيداً عن مقاييس الغرور.

تحويل الأرقام إلى قرارات يتطلب القدرة على قراءة ما بين السطور وربط سلوك المستخدم بالمؤشرات المالية، وفهم أن الرقم الواحد قد يحمل تفسيرات متعددة، مما يستدعي الغوص في تفاصيل الجزئيات وتقسيم المستخدمين إلى شرائح لفهم الدوافع الحقيقية وراء كل تصرف.

تجاوز مقاييس الغرور إلى المقاييس المحركة

مقاييس الغرور مثل عدد التنزيلات أو عدد الزيارات الإجمالي قد تبدو مبهرة في العروض التقديمية، لكنها لا تعكس القيمة الحقيقية التي يحصل عليها المستخدم ولا تضمن استمرارية العمل، فالكثير من التطبيقات حصلت على ملايين التحميلات ثم ماتت لأن المستخدمين لم يعودوا إليها.

المقاييس الحقيقية التي يجب التركيز عليها هي تلك المرتبطة بالتفاعل والاحتفاظ، مثل عدد المستخدمين النشطين يومياً ومعدل الاحتفاظ بالكوهورت والقيمة الدائمة للعميل، فهذه الأرقام هي التي تخبرك ما إذا كنت تبني منتجاً مستداماً أم مجرد فقاعة مؤقتة.

تحليل الكوهورت وفهم سلوك الاحتفاظ

تحليل الكوهورت يعتبر الأداة الأقوى في ترسانة مختص النمو، فهو يسمح بتتبع مجموعات من المستخدمين بناءً على تاريخ انضمامهم ومراقبة سلوكهم مع مرور الوقت، مما يكشف عن الاتجاهات الحقيقية في الاحتفاظ وجودة المنتج بعيداً عن التشويش الناتج عن الحملات التسويقية الجديدة.

إذا كان منحنى الاحتفاظ يتجه نحو الاستسطاح فهذا يعني أنك وصلت إلى ملاءمة المنتج للسوق وأن هناك نواة صلبة من المستخدمين المخلصين، أما إذا كان المنحنى يستمر في الانحدار نحو الصفر فهذا يعني وجود مشكلة جوهرية في القيمة المقدمة لن يحلها ضخ المزيد من الميزانية في التسويق.

دور تأثير الشبكة في تضخيم النتائج

فهم تأثير الشبكة Network Effect هو ما ميز شركات مثل Slack وZoom وجعلها تحقق نمواً هائلاً بتكلفة استحواذ منخفضة نسبياً، حيث تزداد قيمة المنتج لكل مستخدم جديد مع انضمام المزيد من المستخدمين، مما يخلق حلقة نمو ذاتية التغذية يصعب على المنافسين اختراقها.

التركيز على بناء ميزات تدعم فيروسية القيمة Value Virality يعني أن استخدام المنتج بطريقة طبيعية يؤدي إلى دعوة مستخدمين جدد، ليس من أجل المكافأة المادية، بل لأن التجربة تصبح أفضل بوجودهم، وهو أرقى وأقوى أنواع النمو الذي يمكن لأي منصة تحقيقه.

الاستمرارية أهم من العبقرية والتنفيذ أهم من الفكرة

النمو ليس سباق سرعة بل هو ماراثون يتطلب نفساً طويلاً وانضباطاً صارماً في تنفيذ العمليات، والفرق التي تفوز في النهاية ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أذكى الأفراد، بل تلك التي تمتلك أفضل نظام للتعلم السريع وتطبيق الدروس المستفادة بأقصى سرعة ممكنة.

الاستمرارية تعني الالتزام بوتيرة محددة من التجارب أسبوعياً بغض النظر عن النتائج، فالفشل في تجربة ما هو نجاح في معرفة ما لا يعمل، وتراكم هذه المعرفة هو ما يبني الخبرة المؤسسية التي تمكن الشركة من اتخاذ قرارات أصوب وأسرع في المستقبل.

بناء ثقافة التجريب وتقبل الفشل

لا يمكن لمنهجية اختراق النمو أن تنجح في بيئة تعاقب الخطأ وتخاف من الفشل، فأساس العلم هو التجربة والخطأ، ولذلك يجب على القيادة تعزيز ثقافة تحتفي بالتعلم الناتج عن التجارب الفاشلة بقدر احتفائها بالنتائج الإيجابية للتجارب الناجحة.

عندما يشعر الفريق بالأمان النفسي لتجربة أفكار جديدة وجريئة، فإن معدل الابتكار يرتفع بشكل ملحوظ، وتتحول الشركة من مجرد منفذ للخطط إلى مختبر حي ينتج حلولاً غير تقليدية لمشاكل النمو المعقدة، وهو ما يميز الشركات الرائدة عن التابعة.

أهمية وتيرة الاختبار العالية

المعادلة بسيطة في عالم نمو المنصات، الفريق الذي ينفذ تجارب أكثر يتعلم أسرع وينمو أسرع، فإذا كنت تجري تجربة واحدة في الشهر ومنافسك يجري عشر تجارب، فسيتفوق عليك في فهم السوق وتحسين المنتج بمراحل ضوئية خلال سنة واحدة فقط.

زيادة وتيرة الاختبار تتطلب بناء بنية تحتية تقنية مرنة تسمح بإطلاق التغييرات وقياسها بسهولة دون الحاجة لتدخلات هندسية معقدة في كل مرة، بالإضافة إلى تبسيط إجراءات الموافقة لتمكين الفرق الصغيرة من التحرك بسرعة واستقلالية عالية.

التركيز على تحسين القيمة للعميل أولاً

في خضم السعي وراء الأرقام والنمو السريع، لا يجب أن ننسى أن الهدف النهائي هو تقديم قيمة حقيقية للعميل، فجميع تكتيكات النمو لن تجدي نفعاً إذا كان المنتج لا يحل مشكلة حقيقية أو يقدم تجربة سيئة تدفع المستخدمين للرحيل فوراً.

أفضل استراتيجية نمو هي بناء منتج لا يستطيع العملاء التوقف عن استخدامه والحديث عنه، ولذلك يجب أن تسبق جهود تحسين المنتج والاحتفاظ أي جهود للتوسع والاستحواذ، لضمان أن الدلو الذي تصب فيه المستخدمين ليس “مثقوباً” ويهدر جهودك.

Leave a comment