# Tags
#تجارب ودراسات حالة

بيانات نتفليكس وصناعة المحتوى المضمون

بيانات نتفليكس وصناعة المحتوى المضمون

تجاوزت نتفليكس المفهوم التقليدي لشركات الترفيه منذ سنوات، حيث لم تعد مجرد منصة لعرض الأفلام والمسلسلات بل تحولت إلى شركة تكنولوجيا تعتمد بشكل كلي على البيانات الضخمة لاتخاذ قرارات استثمارية بمليارات الدولارات.

لم يعد الحدس الفني أو الرؤية الإخراجية هي المحرك الوحيد لإنتاج الأعمال الدرامية، بل أصبحت الخوارزميات هي المنتج المنفذ الخفي الذي يحدد ما سيتم إنتاجه، ومن سيمثله، وكيف سيتم تسويقه للمشتركين.

يعتمد نموذج العمل في نتفليكس على تقليل المخاطر إلى أدنى مستوياتها عبر التحليلات التنبؤية، حيث تقوم الشركة بتحليل مليارات نقاط البيانات يومياً لفهم النفسية الرقمية للمشاهدين بدقة متناهية.

هذا التحول الجذري في صناعة الترفيه فرض قواعد لعبة جديدة، حيث أصبح النجاح معادلة رياضية تعتمد على فهم الأنماط السلوكية، ومعدلات الاحتفاظ بالمشتركين، وتحليل فجوات المحتوى في المكتبة الرقمية.

من توصية المحتوى إلى صناعة المحتوى بالبيانات

بدأت رحلة نتفليكس بنظام توصيات بسيط يهدف إلى إبقاء المشتركين في المنصة لفترة أطول، لكن الطموح سرعان ما تطور ليصبح هذا النظام هو المحرك الأساسي لقرارات “الضوء الأخضر” للأعمال الأصلية.

لا تقتصر البيانات المجمعة على التقييمات التي يضعها المستخدمون، فتلك بيانات صريحة قد لا تعكس الحقيقة دائماً، ولذلك تركز خوارزميات نتفليكس على “البيانات الضمنية” التي تتسم بمصداقية أعلى.

تشمل هذه البيانات الضمنية لحظات إيقاف المشاهدة، والمشاهد التي تتم إعادتها، والسرعة التي ينهي بها المشاهد موسماً كاملاً، وحتى الأيام والساعات المحددة التي يفضل فيها المستخدمون نوعاً معيناً من الدراما.

تحليل هذه الأنماط السلوكية يسمح للشركة ببناء ملفات تعريفية دقيقة للمستخدمين تتجاوز التصنيفات الديموغرافية التقليدية مثل العمر والجنس، لتصل إلى تصنيفات ذوقية معقدة تتجاوز ألفي مجموعة ذوقية مختلفة.

عندما تقرر نتفليكس إنتاج محتوى جديد، فهي لا تبحث عن قصة جيدة فحسب، بل تبحث عن تقاطع البيانات الذي يضمن وجود جمهور جاهز ومستعد لاستهلاك هذا المحتوى فور إطلاقه.

يتم استخدام هذه البيانات لتحديد الميزانيات بدقة، فالمحتوى الذي تستهدف خوارزمياته شريحة ضخمة يحصل على ميزانية إنتاج ضخمة، بينما يتم تخصيص ميزانيات أقل للأعمال الموجهة لجمهور نيش Niche محدد، مما يرفع كفاءة الإنفاق.

هذا النهج يحول عملية الإنتاج من مقامرة فنية إلى استثمار مدروس المخاطر، حيث تسمح تكنولوجيا النمو بتوقع العائد على الاستثمار قبل تصوير مشهد واحد من العمل.

يعتمد هذا النظام على “البيانات الوصفية” Metadata الدقيقة، حيث توظف نتفليكس فرقاً بشرية لتصنيف كل لقطة وكل مشهد بعلامات وصفية دقيقة مثل “دراما سوداء”، “بطلة قوية”، “نهاية غامضة”، وربطها بسلوك المشاهدة.

الربط بين هذه العلامات الوصفية وسلوك المشاهدين يخلق خريطة حرارية لما يطلبه الجمهور، مما يسهل على الشركة معرفة نوع المحتوى المفقود في مكتبتها والذي يوجد طلب كامن عليه.

كيف ولدت فكرة House of Cards بناءً على سلوك المشاهدين؟

يعد مسلسل House of Cards المثال الأبرز والأكثر كلاسيكية في دراسات الجدوى المعتمدة على البيانات، حيث لم تقم نتفليكس بإنتاج حلقة تجريبية Pilot كما جرت العادة في القنوات التلفزيونية التقليدية.

قامت الشركة بشراء حقوق المسلسل بمبلغ ضخم وصل إلى 100 مليون دولار لإنتاج موسمين مباشرة، وهو قرار يبدو جنونياً بالمعايير القديمة، لكنه كان قراراً محسوباً بدقة متناهية بناءً على تقاطعات البيانات.

أظهرت تحليلات البيانات في قاعدة مستخدمي نتفليكس وجود تداخل كبير بين ثلاث مجموعات من الجمهور: أولئك الذين أحبوا النسخة البريطانية الأصلية من المسلسل، ومعجبو المخرج ديفيد فينشر، ومحبو الممثل كيفن سبيسي.

أشارت الخوارزميات إلى أن الجمع بين هذه العناصر الثلاثة (القصة السياسية المعقدة، أسلوب فينشر السوداوي، وأداء سبيسي) سيحقق نسبة نجاح عالية جداً ومعدلات إكمال مشاهدة مرتفعة.

عرفت نتفليكس سلفاً حجم الجمهور المتوقع لهذا العمل، وبالتالي استطاعت حساب تكلفة الاستحواذ على المشتركين الجدد ومعدل تقليل التسرب Churn Rate الذي سيحققه المسلسل.

لم تتوقف الشركة عند الإنتاج، بل استخدمت البيانات لتسويق المسلسل بطرق مختلفة، حيث صممت عشرات الإعلانات الترويجية المختلفة، وعرضت لكل شريحة من الجمهور الإعلان الذي يتوافق مع تفضيلاتهم السابقة.

المشاهدون الذين يفضلون أفلام النساء القويات شاهدوا إعلانات تركز على الشخصيات النسائية في المسلسل، بينما شاهد عشاق المخرج فينشر إعلانات تبرز اللمسات الإخراجية والجو العام للمسلسل.

هذه الاستراتيجية أثبتت أن البيانات لا تساعد فقط في اتخاذ قرار الإنتاج، بل تضمن أيضاً وصول المنتج إلى الجمهور المستهدف بأكثر الطرق إقناعاً وجاذبية.

نجاح House of Cards لم يكن صدفة فنية، بل كان انتصاراً لنموذج “البيانات أولاً”، مما فتح الباب واسعاً أمام إنتاج مسلسلات وأفلام أصلية أخرى تعتمد نفس المنهجية التحليلية.

التخصيص المفرط وتغيير الأغلفة لتناسب ذوقك

تدرك نتفليكس أن النافذة الزمنية لجذب انتباه المستخدم لا تتجاوز 90 ثانية قبل أن يقرر الخروج من التطبيق، لذلك يعتبر “الغلاف” Thumbnail هو أهم أصل تسويقي للفيلم.

تستخدم الشركة تقنيات “اختبار أ/ب” A/B Testing بشكل مكثف ومعقد جداً لتحديد الصورة التي ستظهر للمستخدم، حيث لا توجد صورة موحدة للفيلم تظهر لجميع المشتركين حول العالم.

يتم توليد واختيار الصور بناءً على تاريخ المشاهدة الخاص بك، فإذا كنت من محبي الأفلام الرومانسية، سيظهر لك غلاف فيلم “Pulp Fiction” بصورة تبرز الجانب الدرامي بين الشخصيات.

أما إذا كنت من عشاق أفلام الأكشن والإثارة، فسيظهر لك نفس الفيلم ولكن بغلاف يحتوي على مسدسات أو مشاهد حركة، وذلك لزيادة احتمالية ضغطك على زر التشغيل.

هذا التخصيص المفرط يعتمد على خوارزميات تعلم الآلة التي تتعلم باستمرار من استجابتك للصور، وتقوم بتحديث واجهة المستخدم بشكل ديناميكي لتعكس تفضيلاتك الحالية.

تتعامل الخوارزميات مع الصور كبيانات، حيث يتم تحليل الألوان، وتعابير الوجوه، وعدد الشخصيات في الصورة، وربط هذه العناصر بمعدلات النقر Click-through Rate لكل مستخدم.

اكتشفت نتفليكس من خلال البيانات أن الصور التي تحتوي على تعابير وجه معبرة وقوية (شريرة أو غاضبة) تحقق معدلات نقر أعلى من الصور التي تحتوي على تعابير هادئة أو غامضة.

كما أظهرت التحليلات التنبؤية أن المستخدمين في مناطق جغرافية معينة يفضلون أنواعاً محددة من التصميم والألوان، مما يدفع الشركة لتخصيص الأغلفة بناءً على الموقع الجغرافي والثقافة المحلية أحياناً.

يهدف هذا النظام المعروف بـ Artwork Personalization إلى تقليل الوقت الذي يقضيه المستخدم في التصفح وزيادة وقت المشاهدة الفعلي، وهو المقياس الذهبي لنجاح المنصة.

يصل مستوى التعقيد إلى تغيير الصورة لنفس المستخدم بمرور الوقت، فإذا تجاهلت فيلماً بصورة معينة عدة مرات، قد تقوم الخوارزمية بتجربة صورة مختلفة تماماً لجذب انتباهك من زاوية أخرى.

هذا النهج يزيل التحيز البشري لمصممي البوسترات التقليديين، ويسمح للبيانات باختيار “ما يبيع” فعلياً بناءً على سلوك المستخدم الحقيقي وليس بناءً على الجماليات الفنية المجردة.

كيف تستخدم بيانات عملائك الحاليين لتوقع منتجك القادم؟

الدرس المستفاد من تجربة نتفليكس لصناع المحتوى والشركات هو أن أفضل منتج قادم يختبئ داخل بيانات العملاء الحاليين، وليس في جلسات العصف الذهني المجردة.

يكمن السر في تحويل البيانات السلوكية الخام إلى “رؤى قابلة للتنفيذ” Actionable Insights، وذلك من خلال مراقبة نقاط الاحتكاك وأماكن الانسحاب في منتجك الحالي.

يجب على الشركات تحليل “القيمة الدائمة للعميل” LTV وربطها بنوعية المنتجات التي يستهلكونها، لتحديد أي المنتجات تساهم في ولاء العملاء وأيها مجرد سلع عابرة.

استخدام البيانات للتوقع يتطلب النظر إلى ما لا يفعله العميل بقدر النظر إلى ما يفعله، فالبحث عن “الطلبات الصفرية” (عمليات البحث التي لم ترجع نتائج) هو كنز لابتكار منتجات جديدة.

يمكن تطبيق مفهوم “التخصيص الجماهيري” Mass Personalization في أي قطاع، عبر تقسيم العملاء إلى شرائح دقيقة جداً بناءً على السلوك الشرائي وليس فقط المعلومات الشخصية.

تساعد البيانات في تحديد “توقيت” إطلاق المنتج، تماماً كما تطلق نتفليكس مسلسلات معينة في عطلات نهاية الأسبوع أو مواسم محددة بناءً على تحليل أنماط الاستهلاك الزمنية.

الاعتماد على التغذية الراجعة الفورية Feedback Loops يسمح بتعديل المنتج أو الخدمة بسرعة، فالبيانات الحية تتيح للشركات أن تكون مرنة Agile في تطوير منتجاتها.

يجب التركيز على “المحتوى أو المنتج المكمل”، فتحليل البيانات يظهر عادة ترابطات غير متوقعة بين منتجات تبدو متباعدة، مما يفتح فرصاً للبيع المتقاطع Cross-selling وبناء حزم منتجات جديدة.

التحول نحو اتخاذ القرارات المدعومة بالبيانات يقلل من “الغرور الإداري”، حيث تصبح الأرقام هي الحكم في نجاح الفكرة، مما يوفر الموارد ويحمي الشركة من الاستثمار في مشاريع محكوم عليها بالفشل.

تكنولوجيا النمو الحديثة تعتمد على التجريب المستمر، لذا فإن استخدام بيانات العملاء لا يعني فقط قراءة التقارير السابقة، بل يعني إجراء تجارب صغيرة مستمرة لقياس ردود الفعل قبل التوسع.

في النهاية، البيانات هي صوت العميل الذي يخبرك بما يريده حقاً، وقدرة الشركة على ترجمة هذا الصوت إلى منتج ملموس هي ما يفصل بين الشركات التقليدية والشركات التي تقود السوق.

Leave a comment